كلام في الاقتصاد

لا نريد عنباً بل قتل الناطور؟

عامر إلياس شهدا

نشرت «الاقتصادية» بعددها الفائت بتاريخ 10/1/2019 في صفحتها الأخيرة زاوية بعنوان: الثقة… بينت ما تفضي إليه قرارات الحجز القائمة على النيات أو الاشتباه، وأشارت إلى ما صرح به الحاكم من ضرورة إعادة بناء الثقة بين المصارف والمواطن، وطالبت بالكشف عن الأدوات التي يملكها لإعادة بناء الثقة، وتساءلت: هل الجهات الرقابية تمتلك سلطات تتفوق فيها على القضاء؟

تساؤلاتنا التي سنطرحها موجهة إلى مجلس الشعب ووزير العدل والحكومة والجهات الرقابية وحاكم مصرف سورية المركزي، هل من المعقول أن يصدر قرار بناء على قانون يخول هذا القرار موظفاً في جهة رقابية بطلب إلقاء الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لموظف أو مواطن استناداً إلى اشتباه أو نيات؟ ما مدى قانونية قرار منح الصلاحية بذلك؟ هل يحق لمن يصدر قراراً كهذا أن يخالف الدستور؟ هل يجوز منح سلطات تفوق سلطة القضاء بقرار مستند لقانون؟ هل حقيقة أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، أين القضاء من ذلك؟ ما معنى أن يقول قاضٍ: إن قرار واقتراحات الجهة الرقابية غير ملزمة للقضاء؟ كيف نعوض لمواطن سبب قرار الحجز له ضرراً مادياً ومعنوياً وصدر حكم ببراءته؟ هل الاتهام يصدر عن جهة رقابية أم جهات قضائية؟ وهل قرار الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة يحقق جدواه الاقتصادية؟ وهل تتم دراسة انعكاسات القرار السلبية على المواطن وعلى الاقتصاد الوطني؟

لنطرح بعضاً من الأمثلة: يصدر قرار حجز احتياطي عن جهة رقابية مخولة بقرار وبهذه الحالة موظف الجهة الرقابية ينفذ قرارات مؤسسته وهذا واجبه، يقضي القرار بالحجز الاحتياطي بالتضامن والتكافل بين خمسة مواطنين؟ لنفرض أن الحجز ضمان لمبلغ 100.000 ليرة سورية أي حصة كل فرد منهم 20.000 ليرة يبادر أحدهم بدفع حصته بخزينة المالية فيتم رفض ذلك ويطالب بالمبلغ بالكامل، فإذا فرضنا أن هذا المواطن بادر لدفع حصته، حيث لديه 20 مليون ليرة سورية بحساب بأحد المصارف ليتمكن من تحريكه، يأتي الرفض ويتم تجميد 20مليون ليرة لقاء 20.000 ليرة، فلو فرضنا أن مجموع أرصدة المواطنين الخمسة 100 مليون فيتم تجميد هذا المبلغ، أي إن السوق الاقتصادي حرم من رأس مال عامل بمقدار 100 مليون وهذا ينعكس على عملية النمو الاقتصادي، والأموال تحجز لسنوات ريثما يصدر الحكم القضائي، وهذه السنوات تحمل المواطن والاقتصاد الوطني خسارة الربحية وفوات الفرص، وكثيراً ما تفوق الكتلة النقدية للحجز آلاف المرات كتلة المبلغ المحجوزة لأجله، لا أعتقد أن هناك بلداً في العالم يجمد السيولة اللازمة لحركة الاقتصاد الوطني بموجب قرار وبالأخص بالنسبة لوضعنا الاقتصاد السيئ في سورية! هذا بالنسبة لمواطن، أما تداعيات القرار لموظف فهي أن يتم اقتطاع 10 بالمئة من راتبه الضئيل والظروف المعيشية القاسية ويتم ذلك بقرار!

إن قرار أو قبول اقتراح الحجز بغياب قرار قضائي يؤدي إلى امتناع المواطن عن التعامل مع المصارف وعدم ثقته بالمصارف وبمؤسسات الدولة، فلو علم المسؤولون في المؤسسات المعنية ما الإساءة التي يحققها قرار كهذا على الاقتصاد الوطني وعلى مستوى الثقة بالمصارف لأعادوا النظر به وأكدوا مرجعية إلقاء الحجز للقضاء وليس سواه.
وللتوضيح نشير إلى أن ما يتداول عن موضوع العرض النقدي في السوق الاقتصادي السوري يبلغ 8 تريليونات ليرة سورية، وعند تحليل سيولة المصارف نجد أن حجم سيولة المصارف تشكل نسبة ضئيلة جداً من حجم سيولة العرض النقدي، حيث تشكل 2.5 تريليون ليرة سورية، بينما حجم السيولة خارج إطار المصارف والمخبأة في البيوت والأدراج والمصارف الخارجية تشكل 68 بالمئة من حجم السيولة، أي 5.5 تريليونات ليرة سورية، مع الإشارة إلى أن هناك مراكز دراسات قدرت أموال السوريين في المصارف الخارجية بـ 25 مليار دولار.
إذا أردنا حساب فوات فرص الاستثمار لهذه الأموال لخرجنا بنتائج تبين لنا سبب ضعف النمو الاقتصادي وسبب تراجع الاقتصاد وانتشار البطالة.

ويعتبر السبب الرئيسي في عدم ثقة المواطن بالمصارف هو سهولة الحجز على أمواله وتعطيل أعماله وخفض الكتلة النقدية لرأسماله العامل وإضعاف قدرة المصارف على دفع السيولة في السوق الاقتصادي، وكل هذا يحدث استناداً إلى اقتراح مبني على الاشتباه أو النيات، فأين المنطقية في ذلك، وأين الحرص على الاقتصاد الوطني وعلى جسور الثقة بين المواطن ومؤسساته الحكومية؟ مع الإشارة إلى أن معظم المحجوز عليهم يتوقفون عن دفع الضرائب ما يسبب مشكلة أخرى يدفع ثمنها الاقتصاد الوطني والمواطن.
لا ندري ما الكارثة إذا أوجدنا تشريعاً يقول: يلقى الحجز الاحتياطي على أموال سائلة أو ثابتة بحسب المتوافر بناء على ما يقدمه المحجوز عليه للمالية من أصول موثقة تغطي 150 بالمئة لضمان استرجاع مبلغ بقيمة كذا؟ ولا ندري ما الكارثة إذا أوجد المشرّع مادة تقول: يحق للمحجوز على ماله من أصل مجموعه أن يدفع حصته من المبلغ المطلوب للخزينة ويقصر الحجز الاحتياطي عنه ريثما يصدر حكم المحكمة؟ لا ندري هل نحن نريد العنب أم نريد قتل الناطور؟ علمها عند المشرّع.

العدد
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock